سيد محمد طنطاوي

428

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمراد ما قطع اللَّه - تعالى - عنك وحيه - أيها الرسول الكريم - ، وما كرهك ، وهذا رد بليغ على المشركين الذين زعم بعضهم أن اللَّه - تعالى - قد ترك نبيه ، وزعم آخرون أنه قد أبغضه ، وحذف مفعول « قلا » للدلالة عليه في قوله - تعالى - * ( ما وَدَّعَكَ ) * ، وهو إيجاز لفظي لظهور : المحذوف ، ومثله قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( فَآوى ) * ، * ( فَهَدى ) * ، * ( فَأَغْنى ) * . . ثم بشره - سبحانه - ببشارتين عظيمتين ، قد بلغتا الدرجة العليا في السمو والرفعة ، فقال : * ( ولَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى . ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ) * . أي : وللدار الآخرة وما أعده اللَّه لك فيها من نعيم لا يحيط به وصف ، خير لك من دار الدنيا التي أعطيناك فيها ما أعطيناك فيها من نبوة ، وكرامة ومنازل عالية ، وخلق كريم . وفضلا عن كل ذلك فأنت - أيها الرسول الكريم - سوف يعطيك ربك من خيرى الدنيا والآخرة ، كل ما يسعدك ويرضيك ، من نصر عظيم ، وفتح مبين ، وتمكين في الأرض ، وإعلاء لكلمة الحق على يدك ، وعلى أيدي أصحابك الصادقين ، ومنازل عظمى في الآخرة لا يعلم مقدارها إلا اللَّه - تعالى - ، كالمقام المحمود ، والشفاعة ، والوسيلة . . . وبذلك ترضى رضاء تاما بما أعطاك - سبحانه - من نعم ومنن . فالمراد بالآخرة : الدار الآخرة التي تقابل الدار الأولى ، وهي الحياة الدنيا ، وبعضهم جعل المراد بالآخرة ، نهاية أمره صلى اللَّه عليه وسلم في هذه الدنيا ، والمراد بالأولى بداية أمره صلى اللَّه عليه وسلم في هذه الدنيا ، فيكون المعنى : ولنهاية أمرك - أيها الرسول الكريم - خير من بدايته ، فإن كل يوم يمضى من عمرك ، سيزيدك اللَّه - تعالى - فيه ، عزا على عز ، ونصرا على نصر ، وتأييدا على تأييد . . حتى ترى الناس وقد دخلوا في دين اللَّه أفواجا . . وقد صدق اللَّه - تعالى - لنبيه وعده حيث فتح له مكة ، ونشر دعوته في مشارق الأرض ومغاربها . قال الآلوسي : وحمل الآخرة على الدار الآخرة المقابلة للدنيا ، والأولى على الدار الأولى وهي الدنيا ، هو الظاهر . . وقال بعضهم : يحتمل : أن يراد بهما نهاية أمره صلى اللَّه عليه وسلم وبدايته ، فاللام فيهما للعهد ، أو عوض عن المضاف إليه . أي : لنهاية أمرك خير من بدايته ، فأنت لا تزال تتزايد قوة ، وتتصاعد رفعة . . « 1 » . وجئ بحرف الاستقبال في قوله - تعالى - : * ( ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ) * ، لإفادة أن هذا العطاء مستمر غير مقطوع ، كما في قوله - تعالى - : ولَسَوْفَ يَرْضى .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 30 ص 158 .